الآلوسي
184
تفسير الآلوسي
* ( إلا بشرى ) * أي بشارة لكم بالنصر * ( ولتطمئن به قلوبكم ) * لما فيها من اتصالها بما يناسبها * ( وما النصر إلا من عند الله ) * والأسباب في الحقيقة ملغاة * ( إن الله عزيز ) * قوي على النصر من غير سبب * ( حكيم ) * ( الأنفال : 10 ) يفعله على مقتضى الحكمة وقد اقتضت فعله على الوجه المذكور * ( إذ يغشيكم النعاس ) * وهو هدو القوى البدنية والصفات النفسانية بنزول السكينة * ( أمنة منه ) * أي أمنا من عنده سبحانه وتعالى * ( وينزل عليكم من السماء ) * أي سماء الروح * ( ماء ) * وهو ماء علم اليقين * ( ليطهركم به ) * عن حدث هواجش الوهم وجنابة حديث النفس * ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) * وسوسته وتخويفه * ( وليربط على قلوبكم ) * أي يقويها بقوة اليقين ويسكن جأشكم * ( ويثبت به الأقدام ) * ( الأنفال : 11 ) إذ الشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين * ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ) * أي يمد الملكوت بالجبروت * ( فثبتوا الذين آمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب ) * لانقطاع المدد عنهم واستيلاء قتام الوهم عليهم * ( فاضربوا فوق ) * لئلا يرفعوا رأساً * ( واضربوا منهم كل بنان ) * ( الأنفال : 12 ) لئلا يقدروا على المدافعة ، وبعضهم جعل الإشارة في الآيات نفسية والخطاب فيها حسبما يليق له الخطاب من المرشد والسالك مثلاً ، ولكل مقام مقال ، وفي تأويل النيسابوري نبذة من ذلك فارجع إليه إن أردته وما ذكرناه يكفي لغرضنا وهو عدم إخلاء كتابنا من كلمات القوم ولا نتقيد بآفاقية أو أنفسية والله تعالى الموفق للرشاد ، ثم إنه تعالى عاد كلامه إلى بيان بقية أحكام الواقعة وأوالها وتقرير ما سبق [ بم حيث قال سبحانه : * ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * . * ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ) * الخطاب للمؤمنين ، والفاء قيل واقعة في جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمداده تعالى وأمر بالتثبيت وغير ذلك ، كأنه قيل : إذا كان الأمر كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم * ( وَلَكنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ) * بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم . وجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم على معنى فاعلموا أو فأخبركم أنكم لم تقتلوهم ، وقيل : التقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم لما روى أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون : قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت . وقال أبو حيان : ليست هذه الفاء جواب شرط محذوف كما زعموا وإنما هي للربط بين الجمل لأنه قال سبحانه : * ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) * وكان امتثال ما أمر به سبباً للقتل فقيل فلم تقتلوهم أي لستم مستبدين بالقتل لأن الأقدار عليه والخلق له إنما هو لله تعالى ، قال السفاقسي : وهذا أولى من دعوى الحذف . وقال ابن هشام : إن الجواب المنفي لا تدخل عليه الفاء . ومن هنا مع كون الكلام على نفي الفاعل دون الفعل كما قيل ذهب الزمخشري إلى اسمية الجملة حيث قدر المبتدأ أي فأنتم لم تقتلوهم ، وجعل بعضهم المذكور علة الجزاء أقيمت مقامه وقال : إن الأصل إن افتخرتم بقتلهم فلا تفتخروا به لأنكم لم تقتلوهم ونظائره كثيرة ، ولعل كلام أبي حيان كما قال السفاقسي أولى ، والخطاب في قوله سبحانه : * ( وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكنَّ اللَّهَ رَمَى ) * خطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين وهو إشارة إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالحصى . يوم بدر وما كان منه . فقد روى أنه عليه الصلاة والسلام قال : لما طلعت قريش من العقنقل : هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال لعلي كرم الله تعالى وجهه : أعطني قبضة من حصباء الوادي فرمى بها وجوههم فقال : شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه